جلال الدين السيوطي

452

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

للوجوه المحتملة ، والكنايات المفيدة ، والجهات القريبة والبعيدة ؛ لحقّرت نفسك ، وازدريت أصحابك ، ولكان ما ذهبوا إليه وبايعوا عليه أقلّ في عينك من السّهى عند القمر ، ومن الحصى عند الجبل . أليس الكنديّ ، وهو علم في أصحابك يقول في جواب مسألة : هذا من باب عدم فقد الوجود بحسب الاستطاعة على طريق الإمكان من ناحية الوهم بلا ترتيب حتى وضعوا له مسائل من هذا الشكل وغالطوا بها ، وأروه أنها من الفلسفة الداخلة ، فذهب عليه ذلك الوضع ، فاعتقد فيه أنّه مريض العقل ، فاسد المزاج ، حائل الغريزة ، مشوّش اللبّ ؟ قالوا له : أخبرنا عن اصطكاك الأجرام ، وتضاغط الأركان : هل يدخل في باب وجوب الإمكان ، أو يخرج من باب الفقدان إلى ما يخفى على الأذهان ؟ وقالوا له أيضا : ما نسبة الحركات الطبيعيّة إلى الصور الهيولانيّة ؟ وهل هي ملابسة للكيان في حدود النظر والبيان أو مزايلة على غاية الإحكام ؟ وقالوا له : ما تأثير فقدان الوجدان في عدم الإمكان عند امتناع الواجب في وجوبه في ظاهر ما لا وجوب له لاستحالته في إمكان أصله ؟ وعلى هذا ، وقد حفظ جوابه عن جميع هذا على غاية الركاكة والضعف والفسالة والسخف ، ولولا التوقّي من التطويل لسردت ذلك كلّه ، ولقد مرّ بي بخطّه : التفاوت في تلاشي الأشياء غير محاط به لأنّه تلاقي الاختلاف في الأصول والاتفاق في الفروع ، وكلّ ما يكون على هذا النهج فالنكرة تزاحم فيه المعرفة ، والمعرفة تناقض النكرة ، على أنّ المعرفة والنكرة من باب الإنسيّة العارية من ملابس الأسرار الإلهيّة ، لا من باب الإلهيّة العارضة في أحوال البشريّة . ولقد حدثني أصحابنا الصابئون عنه بما يضحك الثكلى ، ويشمت العدو ، ويغمّ الصديق ، وما ورث هذا كلّه إلا من بركات يونان ، وفوائد الفلسفة والمنطق ، ونسأل الله عصمة وتوفيقا نهتدي بهما إلى القول الراجع إلى التحصيل ، والفعل الجاري على التعديل ، إنّه سميع مجيب . هذا آخر ما كتبت عن علي بن عيسى الرّمّانيّ الشيخ الصالح بإملائه ، وكان أبو